محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )
227
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة
واكتفى بعضهم « 1 » بكونه إجماليّا فقط من قبيل الحالة الثالثة من الحالات الثلاث المذكورة في كتاب النفس قال : فأمّا أن يكون من قبيل الحالة الأولى ، فهو محال ؛ لأنّ العلم المفصّل هو العلم الإنسانيّ الذي لا يجتمع اثنان منه في النفس في حالة واحدة ، بل يضادّ واحدا واحدا ؛ فإنّ العلم نقش في النفس ، فكما لا يتصوّر أن يكون في شمعة نقشان وشكلان في حالة واحدة ، لا يتصوّر أن يكون في النفس علمان مفصّلان حاضران في حالة واحدة ، بل يتعاقب « 2 » على القرب بحيث لا يدرك تعاقبهما للطف الزمان ، أو يصير المعلومات الكثيرة بجملة كالشئ الواحد ، فيكون للنفس منها حالة واحدة نسبتها إلى كلّ الصور واحدة ، ويكون ذلك كالنقش الواحد . وهذا التفصيل والانتقال لا يكون إلّا للإنسان ، فإن فرض وجودها مفصّلا في حقّه تعالى كانت علوما متعدّدة بلا نهاية واقتضى كثرة ، ثمّ كانت متناقضات ؛ لأنّ الاشتغال بواحد يمنع من الآخر . فإذن معنى كون الأوّل عالما أنّه على حالة بسيطة نسبتها إلى سائر المعلومات واحدة ، فمعنى عالميّته مبدئيّته لفيضان التفاصيل منه في غيره ، فعلمه هو المبدأ الخلّاق لتفاصيل العلوم في ذوات الملائكة والإنس ، فهو عالم بهذا الاعتبار ، وهذا أشرف من التفصيل ؛ لأنّ المفصّل لا يزيد على واحد ولا بدّ أن يتناهى ، وهذا نسبته إلى ما يتناهى وما لا يتناهى واحدة . ومثاله أن نفرض ملكا معه مفاتح خزائن الأرض وهو يستغني عنها ، فلا ينتفع بذهب ولا فضّة ولا يأخذه ولكن يفيضه على الخلق ، فكلّ من له ذهب يكون منه أخذه ، وبوساطة مفتاحه وصل إليه ، فكذلك الأوّل تعالى عنده مفاتح علم الغيب
--> ( 1 ) . نسب إلى أكثر المتأخّرين . راجع « الأسفار الأربعة » 6 : 181 ؛ « المبدأ والمعاد » : 117 - 118 ؛ « شرح المنظومة » قسم الفلسفة : 167 . ( 2 ) . كذا ، والصحيح : « يتعاقبان » .